مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
50
شرح فصوص الحكم
من الوجه المذكور ولا يلزم منه الأفضلية من هذا الوجه عند اللّه إذ الزائد قد يكون أدنى من الإنزال لتوسط الإنزال فأنزلية ختم الرسل منه من جملة كمالاته ليست بمعنى الدناءة وقد نزل القرآن وحمد على تنزيله ولو دليتم بحبل لهبط على اللّه فنزول الشريف اللطيف عين كماله . ولما بين مرتبة خاتم الأولياء أورد الدليل الشرعي على ما ذهب إليه تسهيلا لفهم الطالبين فظهر أن المقصود بيان تقدم مرتبة خاتم الأولياء من وجه فقال : ( وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه ) من أن الشيء الواحد أنزل من وجه وأعلى من وجه ( في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم ) كما ذكر قصته في كتب التفاسير ( و ) قد ظهر ( في تأبير النخل ) كما ذكر حديثه في كتب الأحاديث والفضل هاهنا بمعنى الزيادة في هذه المسألة لا بمعنى المفضل والمكرم عند اللّه ( فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة ) فإن الرسول لم يتقدم فيهما على أصحابه فقال : « أنتم أعلم بأمور دنياكم » « 1 » لكن هذا التقديم ليس من الأمور التي تثبت بها الفضيلة المعتبرة عند أهل اللّه لكونه في الأمور الدنية الخسيسة فهم وإن كانوا يتقدمون في هذه المرتبة الدنية لكنهم تابعون للرسول في المرتبة الشريفة وهي مرتبة العلم باللّه فتأخير الرسول في الأمور الدنية عين كماله لأن هذا العلم الذي أخذه الرسول منهم يمدّ لهم من روحه فخاتم الأولياء وإن كان له التقدم في هذا الوجه من رتب العلم باللّه لكنه تابع لختم الرسل في رتبة من رتب العلم باللّه وهو علم الشريعة الشريفة على كل مرتبة من رتب العلم باللّه وعلى علم خاتم الأولياء الذي أخذه عن الرسول لذلك سمي بالشرع المطهر . ألا ترى كيف اتبع موسى الخضر في العلم اللدني فقال : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [ الكهف : 66 ] ولم يلزم من أعلمية الخضر من موسى في هذا الوجه أفضليته على موسى لأن الخضر تابع في الحكم بما جاء به موسى من علم التشريع وهذا العلم أفضل وأعلى من العلم اللدني ( وإنما نظر الرجال ) الذي يعلمون الأمور على ما هي عليه ويميزون المراتب ( إلى التقدم في رتب العلم باللّه هنالك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها ) ولما كانت هذه المسألة أعلى المسائل الإلهية وأنفعها أوصى لاهتمامها فقال : ( فتحقق ما ذكرناه ) فإن الأمر في نفسه على ما بيناه لك ( ولما مثل النبي عليه الصلاة والسلام النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل ) الحائط ( سوى موضع لبنة واحدة ) قوله ( فكان عليه السلام تلك اللبنة ) جواب لما أي كان نفسه في رؤياه تنطبع بتلك اللبنة التي ينقص الحائط عنها ويكمل بها ( غير أنه لا يراها ) أي تلك الرؤيا ( إلا كما قال لبنة واحدة ) أي تمثيله عين رؤياه في حق نفسه ( وأما خاتم الأولياء فلا بد له من
--> ( 1 ) ذكره الرّامهرمزي في كتابه 141 ، وكذلك الهندي في كنز العمال 32182 ، والقاضي عياض في الشفا 2 : 417 .